أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

213

التوحيد

أخبر أنه يكون ، أراد أن يكون كذّابا سفيها ، ومن تلك إرادته لم يجز أن يكون إلها وربا ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا في الحكمة أن كل من صنع أمرا يريد غير الذي يكون به ، كأن يكون جاهلا بالعواقب أو عابثا بالفعل ، واللّه تعالى يجل عن هذين الوصفين . ألا يرى أن من بنا لشيء يعلم أنه لا يكون ، كان ذلك منه عبثا ، ولو كان به شيء غير الذي يريده كان جاهلا به . وأيضا أن الخطأ المعروف في الشاهد نوعان : أحدهما خروج الفعل على تقدير يجهله ، والثاني وقوعه في غير الذي يريده ، فلو كان اللّه تعالى يريد بما أعطى غير الذي يكون به لكان يكون فعله خطأ ، على ما عرفنا اللّه تعالى من فعل الخطأ ، وباللّه التوفيق . وأيضا أن الذي عليه أمر الشاهد أنّ كل من أراد موالاة من يختار عداوته ، كأن يكون عن ضعف وخوف ، فلا يجوز أن يكون اللّه تعالى يريد مولاة إبليس والذين اختاروا عداوته ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا أن شرط كل من فعله اختيار الإرادة ، وكل من فعله الاضطرار أنه غير مريد لذلك ، فلو كان اللّه لفعل العبد غير مريد ليكون على ما كان ، يكون مضطرا ؛ ولذلك لا يجوز أن يكون لأحد في فعل غيره إرادة ؛ لما لا يحتمل خروجه على ما يريد ، وسموا ذلك تمنيا ، فعلى ذلك لو توهم كون شيء لم يرده اللّه كانت إرادته تخرج مخرج التمني . وأيضا أنه لو جعل لنا أن نبوة نبيّ بقول بشر ، يكون ذلك معصية لنا أن نريده ، من حيث يكون آية ، وإن لم يكن له أن يعصي ، فمثله إذ علم اللّه أنه أخبر عن ذلك وأنه علم أن لا يكون ، كان له أن لا يريد في الحكمة ، على أنه لا يختلف أن ليس للعبد أن يسأل اللّه هداية من يعلم أنه لا يهتدي نحو إبليس لم يكن له أن يقول : اللهم اهده ؛ لما يعلم أنه لا يكون ، ثم محال أن يكون علينا إرادة ذلك ، وإذ لم يكن علينا إرادة ما يعلم أنه لا يكون لم يجز أن يقال ذلك على اللّه ؛ إذ كونها علينا إنما يكون إذا جهلنا بحاله ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم نسأل عمن يريد أن يكون شتم رسول اللّه مثل شتم إبليس في المرتبة والمأثم ، أليس هو بمتعد سفيه كافر ؟ لا بد من : بلى . فيقال : من أراد أن يكون شتم رسول اللّه أمرا عظيما لا يبلغه شتم أحد من الخلق أن يكون محمودا ؟ لا بد من : بلى . قيل : فمن يريد أن يكون الشتم منه كذلك ؛ إذ محال كونه لا من أحد أعظم ولا بأصغر ولا نحو ذلك ، فلا بد أن يقول : من كافر ، وفي ذلك جواز إرادة فعل الكفر من وجه لا يحتمل الذم من ذلك الوجه ، وباللّه التوفيق . ثم الأصل الذي هو معتمد المعتزلة أنّ إرادة اللّه ليست غير خلقه وأن تأويلها